انتهى مسلسل «لام شمسية» تاركًا بصمة عميقة في وجدان المجتمع، بنهاية درامية قد تُرضي المشاهدين وتُشفي ولو قليلًا جراح المجروحين. لكن الواقع لا يحاكي الدراما، فالنهايات

الحقيقية لا تأتي عادلة دومًا، بل تبقى موحشة وقاسية على المظلومين. كم من حق ضاع بين التلاعب بالأدلة، وكم من جريمة أُغلقت ملفاتها بمحو القرائن، بينما يبقى الخوف سيد
المشهد، يكمم الأفواه، ويُثقل كاهل الضحايا بالصمت!، فالواقع مُفزع، وأحياناً تكون نهاياته مُرعبة، وقلّما يجد الضحايا طريقهم للإنصاف، وكم من معتدٍ نجا باستغلال ثغرات القانون.
ذلك القانون الذي يقوم على جناحين: نصّه وروحه، ما يتجلى في يقين ووجدان المحكمة، فالنص واضح، أما اليقين فيعتمل في نفوس القضاة ويدفعهم إلى تصديق الضحايا في حال نقص
الأدلة التي عطّل وجودها الصمت أو تلاعب المعتدين. وهنا تتجلى عبقرية السيناريست مريم نعوم وطاقم الاستشارات القانونية والنفسية في إخراج مشهد المحاكمة الأخيرة،
ومشاورات القضاة بين الارتكان إلى الملابسات وشهادات الضحايا، وبين الاحتكام إلى غياب الأدلة القاطعة، وكأنهم يستغيثون بروح القانون ووجدان القضاة في تلك القضايا الملتبسة قبل نصوصه.
ثم جاءت صيغة الحكم الوارد في الحلقة الأخيرة، كصفعة على وجوه المنحرفين جميعا، بعد أن وصف نص الحكم المعتدي بأنه مجرم وليس مريضًا، ووصفه بأنه مغلوب من شهوته ونزواته، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر فيمن يُؤتمن على الصغار، حتى لو كان من ذوي
القربى، إذا كان تاريخه مملوءًا بالنزوات والشهوات والمغامرات الجنسية المشينة، حيث لم يتمكن من ضبط رغبته، ساقطًا فيها بملء إرادته واحدة تلو الأخرى، والتي يعتبرها البعض في مجتمعنا فحولة ورجولة، وهي انحراف خطير، استمراره يؤدي إلى انحرافات أخطر.
لم يكن مجرد عمل فني جريء ومختلف يشير بأصابع الاتهام إلى كل من يفسد علينا براءتنا الأولى، بل صرخة في وجه الصامتين من أجل اجتناب العار وعواقب الفضيحة، فعواقب ما يتعرض له الأبرياء، خصوصًا في سن
الطفولة والمراهقة، من انتهاك جنسي، أبشع من أي فضيحة أو وصم، بداية من جرح البراءة، مرورًا بتأثير الانتهاك الجنسي على ميول واستجابات الناجين وحياتهم الشخصية والزوجية، وصولًا إلى الاكتئاب والانتحار.
زنى المحارم
«مش متأكدة، ليه نكبر المواضيع؟. مجرد شك، لا لا مش ممكن، أنا بيتهيألي، ولو لمّحت بحاجة هاخسر كل الناس، مافيش دليل، ده لعب عيال». وهكذا تطول قائمة المبررات الواهية للصمت، وتزداد كلما اقتربت صلة الدم التي تربط المعتدي بالضحية، بيوت مغلقة أبوابها، ولا أحد يعلم ما يجري فيها، لكن الأكيد أن الأغلبية العظمى لا تجرؤ على المواجهة، فيبقى المُجرم يعيث خراباً في أقرب الناس إليه.
ذاكرة الجسد
لا أعرف لماذا تحوَّل البعض إلى آلة هجوم على صناع العمل بسبب المشاهد المتعلقة بالخط الدرامي الثاني، فالمسلسل اعتمد على ثلاثة خطوط درامية: الأول خط الطفل «يوسف»، الذي يقوم بدوره الطفل الموهوب علي البيلي، والذي
تعرض للاعتداء الجنسي، والثاني خط زوجة والده «نيللي»، التي تقوم بدورها الفنانة أمينة خليل، التي تمثل المرحلة الثانية من حياة الناجين من الاعتداء الجنسي، وهي مرحلة ما بعد الزواج، خاصةً للناجيات من النساء، وأثر
الاعتداء على علاقتهن بأزواجهن، ونسيان واقعة الاعتداء أو التحرش، خاصةً إذا حدثت في الصغر. وهنا استخدم صناع المسلسل مهارة الربط بين اعتداءات الطفولة وآثارها في مرحلة الصبا والرشد على نفسية الضحية ومستقبلها الأسري برمته.
وبعض مؤيدي إنكار الاعتداء وجَّهوا انتقادًا لشخصية «نيللي»، باعتبارها «أفورة»، في تهوين فجٍّ للآلام المصاحبة للانتهاك في الطفولة. للأسف، تناول البعض الهجوميّون مسألة نسيان الناجي للاعتداء بسطحية، وراحوا يلوحون بالفبركة. ولأولئك المغيَّبين أقول:
الذاكرة تُسقط عمدًا بعض الأحداث المؤلمة حتى تتخلص من الألم، وليس من الحدث، وهو أمر يحدث دون وعي، إذ ينفصل هذا الحدث من تاريخ الشخص تمامًا عن عقله الواعي، لكنه يظل حاضرًا في حياته، يؤرِّقه عبر كوابيس، وغضب، وحياة جنسية غير طبيعية. وربما في وجود واقعة مشابهة يخرج للنور، كما حدث مع «نيللي» بسبب ما يسمى الذاكرة الجسمية، فالجسد لا ينسى.
لذلك، تخرج الضحية من تجربتها بمخزون من مشاعر التجنب والانسحاب حينًا، والعنف والغضب حينًا آخر، والخزي المستمر الذي يوهم الناجية بأنها غير مستحقة في نظر الله أيضًا. ويخلق أسئلة ويرسم علامات استفهام ضخمة بلا إجابات، أولها: لماذا لم
يتدخل الله حينما اقتُطِفَت البراءة الأولى؟، هكذا تتساءل الضحية، وتتكتم على الأمر خشية الوصم، وتفتش عن العتق من الخطايا. ويتعمق الألم، وينضج الخزي ويصبح جزءًا من الشخص، ويصير غائرًا حتى يمتد لعقود طويلة لما بعد الزواج، مهددًا الرباط المقدس.
الإفصاح لشريك الحياة
العلاقة الزوجية بين الناجي وشريك حياته تُعدّ من أكثر القضايا تعقيدًا، خاصة في المجتمعات الشرقية، حيث قد لا يعلم الشريك بمحنة زوجته الناجية، التي لا يمكنها البوح له بوقوع انتهاك سابق لأن الإفصاح حينها يصبح في حد ذاته عائقًا لاستمرار الحياة الزوجية. قد لا يقبل الرجل الشرقي ما حدث لزوجته، وقد يرفض مساعدتها أو يتركها، فتتعقد عملية الشفاء.
وفي الحالة العكسية، إذا كان الشريك رجلًا، فإن الإفصاح قد ينتقص من رجولته. إنها ثقافة المجتمع التي تظل عائقًا وسدًا منيعًا أمام الإفصاح عن الانتهاك، حيث يعلو الجدار أمام تأسيس حياة زوجية آمنة يسودها السلام، وعلاقة جنسية سليمة وطبيعية. ومع تزايد الشكوك والتوترات، قد تفشل الزيجة برمتها، وتتسبب هذه الشكوك في إفساد رحلة التعافي بأكملها، بل قد تؤدي إلى صدمة جديدة للناجين.
زوجات المعتدين
علاقة المعتدي بزوجته وأسرته هي الدلالة الغائبة الحاضرة، وبحسبة بسيطة يمكن الوصول إلى نتائج صادمة: زوجة مقهورة، ضعيفة، صامتة، لا حول لها ولا قوة، خائفة، هاربة في صمتها، وأم تحارب إلى جانب ابنها المعتدي لمنع فضحه، في تواطؤ فج يصل إلى حد التستر.
بينما تعود جذور المصيبة إلى الترك والتخلي الذي مارسته الأم على ابنها، سعيًا وراء المال الوفير، تاركةً إياه لأب سادي. العمل الفني هنا- في الخط الدرامي الثالث في لام شمسية" مسلسل لام شمسية الذي يتناول علاقة المعتدي بأسرته- يشير إلى أن الأسرة هي أصل كل شيء، فالتربة الخصبة المرعية تنتج ثمارًا طيبة، أما التربة الرديئة فتنبت زرعًا شيطانيًا، «نباتًا بلا تقاوٍ».. نعم، بلا تقاوٍ.
فمن أي نبع نسقي أطفالنا؟، من القسوة أم من الحنان؟، من التواطؤ أم من التقويم والإرشاد الواعي؟، من الرعاية والحماية الصادقة أم من التستر؟، من الأنانية ووقود الغل بين الأبوين واستمرار علاقة مشوهة تُنتج كائنات شريرة مؤذية، أم من الانفصال الراقي الذي يتيح التعامل باحترام، ويُبعد الأطفال عن أسباب الخلاف، ويوفر لهم بيئات صحية للنمو النفسي؟.
هكذا تتم الحسبة التي لا نراها كثيرًا في مجتمعنا، ففي مجتمعنا، تستمر المرأة الضعيفة مع زوج غير سوي أو منحرف، متعللة بعدم هدم البيت وحماية الأبناء من التشرد، لكنها تظل تحت ضغوط تفوق طاقتها، قد تدفعها لاحقًا إلى الانتحار، كما عرض لام شمسية" مسلسل لام شمسية. وهذا يحدث في الواقع.
انتهى لام شمسية" مسلسل لام شمسية، لكن الجدل لم ولن ينتهي، فكم من جرح نزف مع كل مشهد، وكم من ذاكرة غافلة استيقظت على وقع الألم، وكم من صامت قرر أن يكسر جدار الصمت، وكم من ناجٍ تجرأ ولجأ إلى مختص طلبًا للخلاص. لام شمسية لم يكن مجرد مسلسل درامي، بل كان زلزالًا لهز ضمائر الصامتين، وفتح نوافذ الروح لتدخل رياح الحق لمداواة الحقائق الموجعة.