القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

دموع تتويج ووداع: البابا تواضروس يودّع أباه الروحي الأنبا باخوميوس!

بقلم د. ماجد عزت اسرائيل

ودّعت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، يوم الأحد الموافق (30 مارس 2025م./ 21 برمهات 1741ش.) ، أحد أعمدتها الخالدة، نيافة الأنبا باخوميوس (1935–2025م)، مطران البحيرة ومرسى مطروح والخمس مدن الغربية، والنائب البطريركي

دموع تتويج ووداع: البابا تواضروس يودّع أباه الروحي الأنبا باخوميوس!

الأسبق. فلقد كان راعيًا أمينًا وقائدًا حكيمًا.ورغم أنه قد رحل بجسده،فإن إرثه الروحي وخدمته المضيئة سيظلان شاهدَين على رحلة عطاء امتدت لتسعين عامًا، منها أكثر من سبعين عامًا في خدمة الكنيسة بكل إخلاص وتفانٍ.

وُلد نيافة الأنبا باخوميوس في شبين الكوم في 17 ديسمبر 1935م، وانتقل مع أسرته في طفولته بين طنطا والزقازيق، حيث بدأت خدمته في مدارس الأحد منذ سن الثالثة عشرة.وتعرّف في شبابه على أبونا مكاري السرياني،

الذي شجّعه على التكريس عام 1956م، وتسلّم بعدها مسئوليات مهمة في لجنة مدارس الأحد وبيت الشمامسة بالجيزة. وحصل على بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس، كما عمل في وزارتي المالية والصحة، قبل أن يدرس

بالإكليريكية ويخدم في الخارج، في الكويت والسودان والنوبة وإثيوبيا، حيث عمّد العديد من الوثنيين وأسهم في تأسيس الكنائس القبطية بالخارج. وترهّب نيافته في دير السريان عام 1962م، ورُسِم قسًا عام 1966م،

ثم قمصًا في 1968م. وأوفده قداسة البابا كيرلس السادس، البطريرك الـ116(1959–1971م)، إلى عدة دول. وقد سامه قداسة البابا شنودة الثالث، البطريرك الـ117 (1971–2012م)، أسقفًا للبحيرة والخمس مدن الغربية، وكان من

أوائل الأساقفة الذين رسمهم في عهده. وقد أنشأ نيافته كاتدرائية السيدة العذراء والقديس أثناسيوس بدمنهور، وأعاد رفات القديس أغسطينوس إليها. وتولى منصب القائم مقام البطريركي بعد نياحة البابا شنوده

الثالث في 17 مارس 2012م، واستمر فيه حتى تجليس البابا تواضروس الثاني.وقد ظل نيافته وفيًا لخدمته حتى أيامه الأخيرة، حيث تنيّح في 30 مارس 2025م، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الروحي والرعوي، استمرت أكثر من سبعين عامًا.

وقد ترأس قداسة البابا تواضروس الثاني صلاة الجناز على نيافة الأنبا باخوميوس في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بالقاهرة، يوم الأحد (30 مارس 2025م/ 21 برمهات 1741ش.) وبعد الصلاة،

نُقل الجثمان إلى كاتدرائية القديس مارمرقس الرسول بدمنهور (مقر مطرانية البحيرة)، حيث ودّعه شعب إيبارشيته بمحبةٍ ودموع. وفي صباح يوم الاثنين( 31 مارس2025م/ 22 برمهات 1741ش.) ، صلّى

قداسة البابا القداس الإلهي بحضور الجثمان، أعقبه صلاة جناز ثانية على روحه الطاهرة. ثم نُقل الجثمان إلى دير القديس مكاريوس السكندري بجبل القلالي، حيث أقيمت صلاة جناز ثالثة

شارك فيها قداسة البابا ولفيف من المطارنة والأساقفة والآباء الكهنة. وبعدها تم دفن الجثمان في مزار خاص بنيافته ملحق بكنيسة الدير، حيث استراح جسده الطاهر في المكان الذي طالما أحبه وخدمه.

وما يلفت الانتباه في هذه المشاهدة التاريخية لجنازة مثلث الرحمات الأنبا باخوميوس (1935–2025م)، مطران البحيرة ومرسى مطروح والخمس مدن الغربية، والنائب البطريركي الأسبق، هو الوفاء العميق من الابن

"قداسة البابا تواضروس الثاني" لأبيه الروحي ومعلمه "الأنبا باخوميوس"، الذي علّمه أصول الحياة الروحية، والخدمة، والعطاء. فلقد كانت علاقة البابا تواضروس بالأنبا باخوميوس علاقة بنوّة روحية حقيقية،

فقد تتلمذ على يديه في الكنيسة، وكان يعتبره مثاله الأعلى في القيادة والتواضع. فهذا الارتباط العميق ظهر جليًا خلال صلاة الجناز، حيث لم يتمالك البابا تواضروس دموعه أثناء وداعه لنيافته، في مشهد مؤثر

للغاية عبّر عن عمق المحبة والاحترام المتبادل، وهو ما تجلّى في نظراته وكلماته، وفي المراحل الثلاثة لصلاة الجناز التي رافق فيها جسد أبيه الروحي حتى مثواه الأخير.وقد قال البابا تواضروس، بتأثر بالغ،

في كلمته خلال صلاة التجنيز:"أودّع اليوم أبي... المخلص في رعاية الكنيسة طوال حياته. أودّع الشجاعة، والحكمة، والخبرة... ولنا لقاء في السماء." وفي نعيه الرسمي، عبّر قداسته عن حزنه قائلاً:"رحل عن عالمنا

اليوم أبٌ حقيقي خدم الكنيسة بكل أمانة وإخلاص."وقد أشار أيضًا إلى الأثر البارز للأنبا باخوميوس في خدمة الكنيسة خارج مصر، بقوله:"الأنبا باخوميوس هو أول من بدأ تأسيس خدمة المهجر في أوروبا من خلال

إنشاء الكنيسة القبطية في لندن، تبعها تأسيس العديد من الكنائس القبطية الأخرى."وأضاف قداسته: "كانت خدمته نابعة من القلب، بكل أمانة ومحبة وتواضع. خدم الكنيسة طوال حياته، وبدأ خدمته في المهجر بثقة عميقة وإيمان صادق."

ومن الجدير بالذكر أن مشهد بكاء قداسة البابا تواضروس الثاني لم يكن الأول المرتبط بالأنبا باخوميوس، فقد سبقه مشهد لا يُنسى يوم تجليسه بطريركًا في نوفمبر 2012م، حين لم يتمالك البابا دموعه أثناء ارتدائه الزي

البطريركي. فكانت أبرز لحظات ذلك اليوم حين أعلن الأنبا باخوميوس، القائم مقام حينها، قائلًا:"أنا الحقير القائم مقام الأنبا باخوميوس، أرسمك أيها الأنبا تواضروس بعلامة الصليب"، ثم تابع:"ندعوك أيها الأنبا

تواضروس بابا وبطريركًا وسيدًا ورئيس أساقفة الكرازة المرقسية"، ورد الشعب: "آمين"، وسط أجواء مشحونة بالمحبة والتأثر.فلقد بكى البابا تواضروس في لحظة تتويجه، لا لفرح شخصي، بل خشوعًا أمام عظمة الرسالة التي

سلّمه إياها أبوه الروحي. وبعد ثلاثة عشر عامًا، وقف نفس البابا أمام جثمان نفس الأب، يبكيه بكاء الابن للأب، والتلميذ لأستاذه، والرجل الذي تربى على يديه وشرب من روحه وتعاليمه.وهكذا تكتمل الدائرة بين بكاء

البداية وبكاء الوداع، لتسجل الكنيسة القبطية لحظتين نادرتين في تاريخها، تجسدان عمق العلاقة بين أنبا باخوميوس وقداسة البابا تواضروس الثاني، وتبرزان المعنى الحقيقي للبنوة الروحية الممتدة في خدمة الكنيسة وعطائها.

وهكذا طُويت صفحة حياة أحد عمالقة الكنيسة القبطية، ولكن لم تُطوَ سيرته، إذ ستبقى مضيئة في ذاكرة الكنيسة وقلوب محبيه. فسيبقى الأنبا باخوميوس حاضرًا في تلاميذه، في صلواتهم، وفي كل كنيسة أسسها أو

خدمها. وستظل دموع البابا تواضروس الثاني، في لحظة التتويج وفي لحظة الوداع، شاهدتين على عمق المحبة الروحية التي جمعت الأب بابنه، والمعلم بتلميذه، في رحلة خدمة خالدة عنوانها الإخلاص والبذل والمحبة.

د. ماجد عزت اسرائيل - أقباط متحدون
01 ابريل 2025 |